ابن تيمية
69
مجموعة الرسائل والمسائل
وقول القائل : إن هذه انفعالات نفسانية . فيقال : كل ما سوى الله مخلوق منفعل ونحن وذواتنا منفعلة ، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها ، لا يوجب أن يكون الله منفعلاً لها عاجزاً عن دفعها ، وكان كل ما يجري في الوجود فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلا ما يشاء ولا يشاء إلا ما يكون له الملك وله الحمد . فصل وقول القائل : إن الضحك خفة روح - ليس بصحيح وإن كان ذلك قد يقارنه ثم قول القائل " خفة الروح " إن أراد به وصفاً مذموماً فهذا يكون لا ينبغي أن يضحك منه ، وإلا فالضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال ، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه والآخر لا يضحك قط ، كان الأول أكمل من الثاني ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " ينظر إليكم البري قنطين فيظل يضحك ، يعلم فرجكم قريب " فقال له أبو رزين العقيلي يا رسول الله " أويضحك الرب ؟ قال " نعم " قال لن نعدم من رب يضحك خيراً ( 1 ) . فجعل الأعراب العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلاً على إحسانه وإنعامه ، فدل على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود ، وأنه من صفات الكمال ، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك ، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب أنه ( يوماً عبوساً قمطريراً ) . وقد روي أن الملائكة قالت لآدم : حياك الله وبياك ، أي أضحكك . والإنسان حيوان ناطق ضاحك ، وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال ، فكما أن النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال ، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم ، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك ، وإذا كان الضحك فينا مستلزماً لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك ، وذلك الأكثر مختص لا عام فليس حقيقة الضحك مطلقاً مقرونة بالنقص كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص ، ووجودنا مقروناً بالنقص ، ولا يلزم أن يكون الرب موجداً وأن لا تكون له ذات .
--> ( 1 ) أورد البيهقي الحديث في السماء والصفات بسنده وقال : وروي عن طائشة مرفوعا في معنى هذا